تــــاريــخ الــتــوراة : تحريف وحي وانحراف عقيدة
كتبهامحمد طاقي ، في 1 فبراير 2012 الساعة: 01:16 ص
تــــاريــخ الــتــوراة :
تحريف وحي وانحراف عقيدة
طاقي محمد
مقدمة :
لعل الحديث عن التوراة كأقدم وثيقة سماوية، الذي لا يقل من ظهورها عن عمر يفوق 2500 سنة، وما تحويه من شرائع وأحكام متعلقة بخلق آدم، وبداية الكون وخلق الإنسان، وظهور العبرانيين، وقصص عن الأنبياء، وأحداث مختلفة عن بني إسرائيل إلخ..
فالتوراة أو ما يسمى بالعهد القديم هو المرجع الأسمى لمعتقدات اليهود، والذي يتكون من خمسة أسفار وهي : سفر التكوين، والخروج ، واللاويين، والعدد، والتثنية.
فدراسة التوراة اليهودية تفرضها بداية معرفة التراث الممتد في جذور التاريخ الشرقي، باعتبارها أحد الأصول التشريعية والتي جاء الإسلام مكملا لها مؤكدا عليها وناسخا لبعض من أحكامها ومعدلا لأمور منها، بعبارة أخرى قاضيا وحكما وناسخا لما سبق من الكتب السماوية.
لكن الإطلاع السطحي والمسح الخفيف على التوراة يجعل القارئ يطرح عدة تساؤلات ؟ هل ما جاء في هاته التوراة هو الحق، وهل هو كلام الله؟ وأن الأوصاف التي وصف الله بها تحق في ذاته جل جلاله؟ وأن قصص الأنبياء التي وردت في حقهم صحيحة أم أنها من تأليف الإنسان ؟؟ وهل اليهود شعب الله المختار وأن غيرهم "جوييم"؟؟
وهاته الأسئلة المشروعة تأخذنا إلى الحديث عن صحة التوراة ونشأته، وهل وقع تحريف ووضع في ذلك؟ وهل هناك توراة واحدة اتفق عليها اليهود كافة أم أن هناك خلاف وقع بين الطوائف من قبيل الفرقتين: الطائفة السامرية والطائفة العبرانية ؟
ومن له الفضل في تدوين التوراة؟ ومتى دونت ؟ وهل اتفق العلماء واللاهوتيون والباحثون على هاته الأمور، أم وقع الاختلاف كل حسب طائفته ووضعه العقدي..
من جهة أخرى فإن اليهود يقدسون التوراة بل ويعتبرون العهد القديم العبري من مصادر التشريع اليهودي الأساسية، وقد ظل قرونا طويلة يشكل المنهج الدراسي الوحيد في المدارس الدينية اليهودية، وإلى جانبه التلمود الذي هو تفريع منه، والطريف أنه في الأراضي المحتلة (إسرائيل)، منهج الدراسة عندهم يتضمن خمس ساعات أسبوعيا لدراسة العهد القديم.[1]
1ـ تاريخ التوراة وتقرير الانقطاع في مسألة التدوين :
تعد التوراة أكثر أجزاء العهد القديم قداسة خاصة أن موسى هو الذي أخذها من الرب مباشرة، ويرى أتباع التقاليد اليهودية أن سائر أسفار العهد القديم مقدسة إذ أن مؤلفيها تحدثوا باسم الروح القدس أو الكتاب المقدس. وقد تمت كتابة هذه الأسفار على مدى ألف عام غير أن بعض أجزاء سفر التكوين وضعت منذ ما يربو على ثلاثة ألاف عام، كما وضعت بعض أسفار العهد القديم منذ ألفي عام. ويتضح لنا من هنا أن العهد القديم يعود تاريخه إلى فترات متباينة. ومن ثم فإننا نجد فيه مستويات لغوية شديدة التباين ، ويعبر العهد القديم عن تطور الفكر الإسرائيلي واللغة العبرية طيلة هذه القرون. وتبرز في كثير من مواضع العهد القديم نزعة توفيق الكتابات المقدسة مع نزعة مفادها أن مشيئة الرب هي العامل المحدد لحركة العالم والإنسان وتاريخ شعب إسرائيل.[2]
قال الطبيب الفرنسي "موريس بوكاي" صاحب كتاب "التوراة والإنجيل والقرآن والعلم":
"إن العهد القديم مجموعة مؤلفات غير متساوية الطول، ومختلفة النوع، كتبت خلال أكثر من تسعة قرون في لغات عدة أخذا بالسماع، وكثير من هذه المؤلفات صححت قم أكملت، تبعا للأحداث أو للضرورات الخاصة، على مدى أجيال، متباعدة أحيانا بعضها عن بعض".[3]
والاختلاف الحاصل بين الدارسين لتاريخ التوراة متمثل فقط في تفاصيل التاريخية والوقائع التي شابت أطوار التدوين..، ويمكن الاعتبار بأن هناك إجماعا حول التوراة التي دونت متأخرة إذ وقع انقطاع أو يمكن القول أن أحداثا حالت دون الحفاظ على النسخة الأصل.
وتحدث ابن حزم في رسائله وهو يرد على اليهودي "ابن النغريلة" : " وهم معترفونبأن التوراة طول أيامهم فى دولتهم لم تكنعند أحد إلا عند الكاهن وحده ، وبقوا على ذلك نحو ألف ومائتي عام ، وما كان هكذا لايتداوله إلا واحد فواحد ، فمضمون عليه التبديل والتغيير والتحريف والزيادة والنقصان، لا سيما وأكثر ملوكهم وجميع عامتهم فى أكثر الأزمان كانوا يعبدون الأوثان ويبرؤونمن دينهم ويقتلون الأنبياء، فقد وجب باليقين هلاك التوراة الصحيحة وتبديلها مع هذهالأحوال بلا شك. وهم مقرون بأن يهوآحاز بن يوشيا الملك الدارودى المالك لجميع بنيإسرائيل بعد انقطاع ملوك سائر الأسباط ، بَشَرَ من التوراة أسماء الله تعالى وألحقفيها أسماء الأوثان. وهم مقرون أيضاً أن أخاه الوالي بعده وهو الياقيم بن يوشياأحرق التوراة بالجملة وقطع أثرها ، وهو في حال ملكه قبل غلبة بخت نصر عليهم. وهممقرون بأن عزرا الذي كتبها لهم من حفظه بعد انقطاع أثرها، إنما كان وراقاً ولم يكننبياً، إلا أن طائفة منهم قالت فيه: إنه ابن الله، قد بادت هذه الطائفة وانقطعت.
فأي داخلة أعظم من هذه الدواخل التي دخلت على توراتهم ؟!"[4]
في هذا الصدد لدكتور أحمد السقا حجازي كلاما يؤكد ما ذهب إليه اليهود من النية المبيتة وسوء السريرة والإرادة الخبيثة لتبديل كلام الله، ولم يختلف هاهنا مع معظم الباحثين والدارسين في ما حصل للتوراة من تزييف. لكن الاختلاف الحاصل بين الباحثين دائر حول الكيفية وحول التفاصيل التاريخية التي تسببت في هذا التغيير. في حين الدكتور حجازي السقا اتهم بشكل مباشر اليهود أنهم أصحاب هذه الفعلة الشنيعة، فنورد له نصا طويلا قال فيه:
"وموسى عليه السلام لما أعطاه الله التوراة موعظة وتفصيلا لكل شيء، أفرز سبط لاوي _ الذي هو منه _ لحمل التوراة، يعرفونها ويعرفونها للناس. وكتب منها ثلاثة عشرة نسخة. وضع نسخة في التابوت وسلَّم لكل سبط نسخة للذكرى. وظلت التوراة صحيحة في أيدي بني إسرائيل لم يغيروا منها حرفا واحدا إلى زمن الأسر البابلي.
ثم غيروا بنوا إسرائيل التوراة.
ذلك أنهم في مدينة ((بابل)) بعد سنة 586 ق. م اتفق العبرانيون والسامريون على تغيير التوراة. لأنهم وهم في الأسر لما تأكدوا من إدبار الدنيا عنهم . وإقبال الخير على بني إسماعيل بعد سنوات غير طويلة. رأوا أن يحتفظوا بكيان مستقل يحتفظوا بكيان مستقل إلى الأبد، ومن أجل ذلك كتبوا التوراة بأيديهم على المبادئ التالية:
1. الله تعالى إله واحد ولكن ليس للعالمين، بل لبني إسرائيل من دون الناس.
2. شريعة التوراة أنزلها الله تعالى ولكن ليست للعالمين بل لبني إسرائيل من دون الناس.
3. النبي المنتظر الذي أخبر عن مجيئه موسى عليه السلام سوف يأتي ولكن ربما يكون من بني إسرائيل لا من بني إسماعيل.
وكتب لهم ((عزرا)) كتاب التوراة على تلك المبادئ. وعرضها عليهم فسروا بها."[5]
وحسب إبراهيم ثروت حداد كذلك مؤكدا على ما سبق فيقول: "والواقع أن تدوين العهد القديم بدأ في فترة زمنية تبعد عن موسى مئات السنين، وكذلك عن كثير من الأحداث التي تم التأريخ لها. كما أن عملية التدوين لم تتم دفعة واحدة، وإنما تمت خلال مدة زمنية طويلة. وتم اختيار بعض النصوص المقدسة من بين نصوص مقدسة أخرى. ويرى كثير من الباحثين أن أول جزء من العهد القديم تم تديونه هو أسفار موسى الخمسة، ويقال إن هذه العملية تمت في بابل أثناء فترة التهجير(587 ق.م) أو ربما قبل ذلك بوقت قصير، ذلك أنه لم يأت ذكر لقراءة التوراة في الاحتفالات الخاصة بافتتاح الهيكل، وأول إشارة إلى قراءة التوراة هي قراءة "عزرا" عام 444 ق.م ".[6]
2ـ التحريف العقدي المتعمد لشريعة موسى:
لابن حزم جملة مختصرة جامعة مانعة تبرز الدافع الذي جعل اليهود يزيفون حقائق العقيدة رغبة منهم في تبديل تعاليم كلام الله تعالى وهو يقول : "والذي لا شك فيه عندي أن من بدل توراتهم وأدخل فيها مثلهذا ، إنما قصد إلى إبطال النبوة جملة".[7]
كما أن ابن حزم كان شديد اللهجة يرد على اليهودي "ابن النغريلة" بعبارات جارحة محتقرة فاضحا للتفاهات التي وردت في الأسفار حيث قال :
"ومن عجائبهمقولهم في السفر الرابع : إن بنى إسرائيل إذطلبوا أكل اللحم وضجوا من أكل المن، أن الله تعالى قال لموسى : تقدسوا غداً تأكلوناللحمان، فأنا أسمعكم قائلين من ذا الذي يعطينا، قد كنا بخير، يعطيكم السيداللحمان فتأكلون، ليس يوماً واحداً ولا اثنين ولا خمسة ولا عشرة إلا حتى تكمل أيامالشهر، حتى يخرج على مناخركم وتصيبكم التخم. فقال له موسى: هؤلاء هم ستمائة ألفرجل وأنت تقول: أنا أعطيكم اللحوم طعماً شهراً، أترى تكثر ذبائح الغنم والبقرفيقتاتون بها، أو تجمع حيتان البحر معاً لتشبعهم ؟ فقال السيد: ماذا يهم السيد ؟أتى السيد عاجزاً ؟ فالآن ترى إن تم قوله. ثم ذكروا أن الله تعالى أنزل السمانىحول العسكر ، فأكلوا حتى تخموا، ومات كثير منهم بالتخمة، فسمى ذلك الموضع قبورالشهوات."[8]
فرد ابن حزم على هذا الكلام الذي أورد هو في رسائله يدحض كلام الأسفار في حق الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، مبينا الاختلالات العقدية التي أدخلها كُتّاب التوراة، فنسبوا لله تعالى العجز، وفي الوقت نفسه يلصقون بالنبي موسى عليه السلام تهمة الشك وعدم الصدق في الله تعالى..
فرد ابن حزم على هذا الكلام الذي أورد هو في رسائله يدحض كلام الأسفار في حق الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، مبينا الاختلالات العقدية التي أدخلها كُتّاب التوراة، فنسبوا لله تعالى العجز، وفي الوقت نفسه يلصقون بالنبي موسى عليه السلام تهمة الشك وعدم الصدق في الله تعالى..
فقال ابن حزم : "فلو تدبر هذااللعين الجاهل كذبهم فى هذا الفصل، لردعه عن أن يظن بقول الله تعالى لنبيه عليهالسلام ( فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك )، وليعلم أن الشك المجرد قد نسبوه إلىموسى ـ عليه السلام ـ في هذا الفصل، فإنه لم يثق بقول ربه ولا صدق قدرته على إطعامبني إسرائيل اللحم شهراً كاملاً ، وهذا مع ما فيه من الشك المكشوف الذي لا يجوز أنيخرج له تأويل يبعده عن الشك، ففيه من السخف غير قليل، لأن من رأى شق البحر،وإنزال المن المشبع لهم، فواجب عليه أن لا يستعظم إشباعهم بلحم ينزله عليهم. ولكنالكذب والتوليد لا يكون إلا هكذا ليفضح الله تعالى به أهله. والحمد لله على ما منبه علينا من طهارة الإسلام، ووضوح حجته، وله الشكر على ما كفانا من دنس الكفروتناقض عمراه." [9]
فمثلا نجد أن في سفر التكوين: "فنادى الرب الإله آدم وقال له أين أنت؟ ".
على هذا النص يتساءل الدكتور إبراهيم ثروت حداد ساخرا من الإسفاف الذي وصل إليه اليهود من تجسيد وتشبيه الذات الإلهية بذوات البشر، بل وصفوه بالجهل حينما قال له : " أين أنت؟"، وكأن الله جاهل بمكان سيدنا إدريس عليه السلام!!
فقال ثروت حداد: "فهل من عقل سليم يسلم بهذه الافتراءات التي نسبها هؤلاء الأقوام إلى الله عز وجل ؟، تعالى الله عما يقولون. وفيها: "سار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه"[10] فمن جهلهم وسخافتهم مع الله أنهم يصفونه بالحوادث، فأخنوخ هو إدريس عليه السلام، ونفهم من العدد أن أخنوخ سار مع الله في طريق واحد، حاشا لله تعالى، فقد وصفوه بما يوصف به الإنسان !! "[11]
في كتاب للشيخ الغزالي عنونه كالآتي "قذائف الحق"، فتناول فيه بعض الأمور العقدية المتعلقة بالأنبياء والله عز وجل فقال أن اليهوديصفون إبراهيم عليه السلام بالديوث لأنه قدم زوجه إلى فرعون الذي أهداه في نظير ذلك بعض الغنم والحمير !! [12]
وقد خص الشيخ الغزالي في كتاب "قذائف الحق" خاصة في الفصل الأول رد الافتراءات وزعم اليهود في أن الله يتعب ويجهل ويندم ويأكل ويصارع. وجرد تلك الأوصاف القبيحة في حق الأنبياء من قبيل : نوح السكير، ولوط الزاني ، وإبراهيم الديوث ، ويعقوب المحتال ..[13]
3 ـ خرافات وأساطير التوراة :
المؤلف ليوتاكسيل يثبت أن التوراة مليئة بالخرافات فيقول : "والحقيقة أنني لا أعرف ما الذي حدا " بالروح القدس" لأن يلقن موسى مثل هذه الخرافات عن الشمس والنور؟ ولكن تخيل قارئي الكريم ، أنه حتى نهاية القرن الميلادي 17، كان العلماء يعتقدون أن الشمس ليست مصدر الضوء، بل هي تمرره عبرها وحسب، اما الضوء فهو موجود بذاته، وحتى رينيه ديكارت نفسه كان من أنصار هذا الضلال.." [14]
فقال كذلك : " أما كاتب سطور التوراة، فقد كان فريسة الجهل التام بشؤون الفلك، ولكن هذا لا يعفي يهوه من مسؤولياته، كان عليه أن يعرف كل شيء عندما كتبت التوراة.[15]
بالنسبة لإبراهيم حداد ثروت فقال في أعاجيب التوراة: " تجد في التوراة ما تشتهيه نفس كل سافل، وما تبغضه نفس كل مؤمن عاقل فها هي تعليمات عجيبة وقاذورات لا يمكن أن تصدر عن الله سبحانه وتعالى ولا من أنبيائه ولكنهم بكفرهم نسبوها إلى الله !!"[16]
أورد الشيخ محمد الغزالي في كتابه : "صيحة تحذير من دعاة التنصير" نصا فريدا نقله عن كتاب جوش مكدويل، قال فيه عن الكتاب المقدس: ((والكتاب المقدس فريد، يختلف عن كل الكتب الأخرى في المجالات الآتية، وكثير غيرها:
+ فقد كتب في فترة بلغت 1600 سنة
+ في فترة أكثر من ستين جيلا
+ كتبه أكثر من أربعين كاتبا، من كل مسالك الحياة، منهم الملك والفلاح والفيلسوف والصياد والشاعر والحاكم والعالم ألخ فمنهم : موسى القائد السياسي الذي تلقى تعليمه في الجامعات المصرية، وبطرس الصياد، وعاموس راعي الغنم، ويشوع القائد العسكري، ونحميا ساقي الملك، ودانيال رئيس الوزراء ، ولوقا الطبيب ، وسليمان الملك، ومتى جابي الضرائب، وبولس رجل الدين.
وقد كتب في أماكن مختلفة : كتب موسى في الصحراء، وإرميا في جب السجن المظلم، ودانيال على جانب التل او في القصر، وبولس داخل السجن، ولوقا وهو مسافر، ويوحنا في جزيرة بطمس، وآخرون في ارض المعارك.
وكتب في أزمنة مختلفة : كتب داود في وقت الحرب، وسليمان في وقت السلم.
وكتب في أحوال نفسية مخلتفة: كتب البعض في قمة أفراحهم ، وآخرون في عمق أساهم وفشلهم.
كتب في ثلاثة قارات: آسيا ، وإفريقيا، وأوربا".
أقول ـ أي الغزالي ـ : ولكي نصدق كتابا هذه صفته يجب أن نؤمن بأن الله الذي وسع كرسيه السماوات والأرض قد تنزل من عرشه وصارع عبده يعقوب صراعا استغرق الليل كله، وفاز فيه يعقوب بالنقط وتلقب بإسرائيل."[17]
كما اعتبر الغزالي أن العهد القديم كتاب عجيب، أو مجموعة من فصول غريبة، ملأى بالحكايات والرؤى والتواريخ المضطربة التي قدمنا نماذج منها آنفا، فقال متهكما على عقائد اليهود: "ويبدو أنه لكي تكون مؤمنا يجب أن تقبل الخرافات." [18](في فصل عنونه: ما أسانيد الكتاب المقدس ؟؟)
4 ـ الفرق بين التوراة السامرية وبين التوراة العبرية:
يقول السقا أحمد حجازي: "ولما رجع بنو إسرائيل من بابل بتوراة عزرا، وسكن العبرانيون في مدنهم، وسكن السامريون في مدنهم. ظهر عداء شديد بين العبرانيين وبين السامريين بسببه اختلفت التوراة العبرانية عن التوراة السامرية. ويقول العبرانيون : إننا على حق. ويقول السامريون لهم : بل نحن وحدنا على الحق وأنتم الذين حرفتم وغيرتم وزدتم وأنقصتم من كتاب الله." [19]
إذن فكلا التوراتين ليست اختلاف تراجم ، وإنما اختلاف نصوص، بل يصل الاختلاف إلى فروق جوهرية في العقيدة نفسها حسب تعبير دكتور أمير عبد الله. [20]
يجدر الإشارة أن التوراة السامرية ظلت مختفية مدة 2564 سنة إلى أن أذن الله بنشرها.
الخلاف بين التوراة السامرية والتوراة العبرية : [21]
1.العبريون يعترفون بأسفار موسى الخمسة وبأسفار الأنبياء؛
2.السامريون يعترفون بأسفار موسى الخمسة فقط ولا يعترفون بأسفار الأنبياء؛
3.يُثبت السامرون في توراتهم أن هناك جزاء وحساب في يوم القيامة وبعث بالجسد؛
4.لا يتطرق توراة العبرانيين ليوم القيامة ويُخفون نصوصها وكأن الحياة ما هي إلا في الدنيا؛
5.اليهود السامريون يقدسون جبل جرزيم في فلسطين. بينما يقدس اليهود العبرانيون جبل صهيون؛
6.يؤمن السامريون في ظهور المسيح في آخر الأيام ولكنه سيكون من آل يوسف؛
7.ويؤمن العبرانيون بظهور المسيح في آخر الأيام ولكنه سيكون من آل داود؛
8.لا يقر السامريون بأي نبي كائن من كان قد يأتي بعد موسى وينسخ شريعته؛
5 ـ بعض الحجج العلمية الدالة على تحريف التوراة:
أ. الكتاب يشهد على نفسه بالتحريف :
"كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا ؟ حقاً إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب" (إرميا 8: 8)
"أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إِذْ قَدْ حَرَّفْتُمْ كَلاَمَ الإِلَهِ الْحَيِّ، الرَّبِّ الْقَدِيرِ، إِلَهِنَا" (إرميا 23 : 36) [22]
يقول الشيخ حجازي السقا مستدلا من التوراة نفسه بأن موسى لم يكن هو كاتب التوراة:
"ومن يقرأ التوراة السامرية والعبرانية واليونانية لا يعتقد أن موسى هو الكاتب. بل يجزم أن الكاتب غير موسى. ففي سفر الخروج يقول الكاتب: ((وأكل بنو إسرائيل المن أربعين سنة حتى جاؤوا إلى أرض عامرة)) {خروج 16: 36} وفي سفر العدد يقول الكاتب : ((وأما الرجل موسى فكان حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض)){عد 12 : 3} وفي سفر التثنية يقول الكاتب: ((فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب، حسب قول الرب ودفنه في الجواء في أرض موآب، مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم )) {تث 34 : 5- 6}
وليس في توراة موسى ما يدل على اسم الكاتب. وإنما يشتبه في أن ((عَزْرَا)) هو الكاتب من آيات في سفر عزرا وسفر نحميا. كما قرر اليهودي البريطاني الفيلسوف "سبينوزا" في كتابه "رسالة اللاهوت والسياسة" إنه قرر بأدلة من التوراة العبرانية أن موسى لم يكتب هذه التوراة، وإنما كاتبها ولا يمكن أن يشتبه إلا في عزرا كتبها في "بابل" أثناء سبي نبوخذنصر. واستشهد بعبارات للحبر إبراهيم بن عزرا. والسامريون يقولون: إن التوراة العبرانية كتبها عزرا، وساعده بقوته "زربابل ابن شألتئيل".[23]
ب. انقطاع السند:
في كتاب الإمام علاء الدين بن محمد الباجي[24] (ت 714) " كتاب على التوراة" أو "الرد على اليهود"، قال في مقدمة الكتاب أن : التوراة الموجودة حاليا ليس لها سند متصل إلى موسى عليه السلام، بل هي على النقيض من ذلك إذ يوجد فيها ما يدل على أنها كتبت بعده بزمن طويل"[25]
كما أن المشكلة الثانية هي أن نصوص العهد القديم تم تناقلها شفاهة، ولذا فإن معظم المؤرخين يرجحون تعرضها إلى ما تتعرض له عادة كل الأقوال المنقولة مشافهة، وبالتالي دخلتها التناقضات وتداخلت النصوص والمصادر، وهنا فقد قام علم نقد العهد القديم بتطوير نظرية المصادار وتفسير التناقضات وعدم التجانس الأسلوبي.[26]
ت. النسق النصي، والأسلوب الذي كتبت به التوراة:
كمال الصليبي له مقاربة مختلفة أو كما سماها بنظرية جديدة يثبت فيها أن التوراة لم تنزل في فلسطين بل يراها أن نزلن في أرض الحجاز، ويشحد لذلك براهين وحجج من قبيل أن معظم الأماكن التي ذكرت في التوراة هي أماكن تهم شبه الجزيرة العرب. المهم عندنا أنه يثبت التركيب النصي للتوراة التي تعتمد الأنماط الأدبية المختلفة في النص الواحد. [27]
كما أن الفرنسيموريس بوكايأثبت بأن التوراة مجموعة من الأساليب ومجموعة من النصوص المختلفة أفردت في كتاب واحد، وهو دليل قاطع على أن التوراة تناولتها أيدي عديدة من مناطق مختلفة وبلغات مختلفة. فقال موريس : " ويجهل الكثيرون بأنه كان في الأصل كما يذكر "أدموند جاكوب" كثرة من النصوص، وليس نصا واحدا. ولقد كانت هناك نحو القرن الثالث قبل المسيح ثلاثة أشكال لنص التوراة العبري على الأقل: نص الشراحين اليهود والذي استخدم على الأقل في جزء من الترجمة اليونانية، والأسفار السامرية الخمسة. لقد كان الاتجاه في القرن الأول قبل المسيح إلى تثبيت نص مفرد. ولكن كان لابد من الانتظار قرنا آخر بعد المسيح، لكي يصبح نص التوراة محددا." [28]
نقلا عن الشيخ الغزالي، يقول صاحب المنار رشيد رضا: فجميع أسفار التوراة التي لدى أهل الكتاب كتبت بعد السبي، كما كتب غيرها من أسفار العهد القديم، يدل على ذلك كثرة الألفاظ البابلية بها.[29]
ث. التناقضات والاختلافات والأخطاء :
كما أن الاختلافات تظهر في وجود نسخ متعددة ذات روايات متناقضة لحادثة ما، وكذلك تحوي أسفارًا تختلف في عددها من نسخةٍ لأخرى. ثم يقع الاختلاف بين كل من توراة السامرية والعبرية واليونانية(تسمى السبعينية)، حيث نجد النسخ الثلاثة تختلف في عمر الإنسان على هذه الأرض اختلافًا كبيرًا، فالعبرية ترى أن عمر الإنسان من خلق آدم حتى ميلاد المسيح هو (4000) سنة، وتقدر النسخة اليونانية الفترة نفسها بـ 5872 سنة، أما السامرية فتعتبر الفترة 4700 سنة.
في حين تقدر النسخة العبرية الفترة من طوفان نوح حتى المسيح - عليهما السلام - بـ 2148سنة، بينما تقول اليونانية بأن هذه الفترة هي 3610 سنة، أما السامرية فترى أن الفترة تبلغ 3393 سنة. [31]
في حين تقدر النسخة العبرية الفترة من طوفان نوح حتى المسيح - عليهما السلام - بـ 2148سنة، بينما تقول اليونانية بأن هذه الفترة هي 3610 سنة، أما السامرية فترى أن الفترة تبلغ 3393 سنة. [31]
وطبقا للموسوعة البريطانية فإن النص السامري يختلف عن النص اليوناني في الأسفار الخمسة بما يزيد على أربعة آلاف اختلاف ، ويختلف عن النص العبري القياسي بما يربو على ستة آلاف اختلاف. [32]
خاتمة:
بعد هذا العرض السريع حول تاريخ التوراة، الذي حاولنا فيه عدم الخوض في تفاصيل النقاشات وتفاصيل الاختلافات التاريخية من أجل الحفاظ على وحدة الموضوع وإيصال الفكرة في شموليتها. علما أن قضية مقارنة الأديان عموما وأمور التوراة والتلمود وكذا الإنجيل بشكل خاص، والهدف أساسا من هذه الإطلالات السريعة للباحثين والكتابات التي تعد بالآلاف في هذا الصدد، تأكيد مسألة أن التوراة ليس بكلمة الله. وأن ما جاء في العهدين القديم والجديد ما هما إلا أسفار تشمل أساطير وافتراءات وخرافات في عموم ما هي عليه، وبالرغم من ذلك فإن فيهما نصوصا كثيرة تبين عدم صحة مزاعمهم وأن ما جاء في التوراة ليس بالوحي ذاته الذي أنزل على موسى. مما يؤكد على أن الجذور الفكرية والعقدية لليهود ما هي إلا نتاج بشري حرف الوحي جملة وتفصيلا، وعلى أن اليهودية اجتهادات بشرية تعتمد عقيدة لا أساس لها من الصحة، بل هي عقيدة باطلة.. وهو ما يفضح الانحرافات الحاصلة في السلوك الغربي من جهة والسلوك اليهودي من جهة أخرى.
كيف يسمح للوحي أو لدين أن يجعل من أنبياء الله : الديوث، والكاذب، والزاني، والسكير، والمخادع، والسفاح.. إلخ. ثم كيف يكون من المعقول أن يشرع دين سماوي لفئة ما (اليهود) بالسفك والجريمة والفواحش والظلم باسم التشريع وباسم يهوه على حد تعبيرهم. السؤال الذي يطرح ذاته بقوة، هل هذه تعاليم دين سماوي أم تعاليم زعيم عصابة مافيا؟
—————
المصادر والمراجع:
1. القرآن الكريم.
2.التوراة.
3."التلمود أصله وتسلسله وآدابه"، ترجمة عن العبرانية دكتور شمعون مويال، تحقيق وتقديم الدكتوراة ليلى ابراهيم ابو المجد والدكتور رشاد عبد الله الشامي، الدار الثقافية للنشر.
4."التوراة السامرية مع مقارنة بالتوراة العبرية"، أحمد حجازي أحمد السقا، الطبعة الأولى سنة 1978 بمصر، دارالأنصار.
5."التوراة والإنجيل والقرآن والعلم"، الطبيب الفرنسي "موريس بوكاي"، ترجمة الشيؤخ خالد حسن. المكتب الإسلامي، ط3، سنة 1990، بيروت.
6."التوراة كتاب مقدس أم جمع من الأساطير"، ليوتاكسيل، ترجمة : د. حسان مخائيل اسحاق.
7."الخطأ و الدخيل في توراة بني إسرائيل"، إبراهيم ثروت حداد ، مركز التنوير الإسلامي، 2006.
8." خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل" ، كمال الصليبي، ط 6، دار الساقي بيروت، 2006.
9."خمسون ألف خطأ في الكتاب المقدس" ، أحمد ديدات، ترجمة رمضان الصفناوي، المختار الإسلامي، رقم : 12.
10. "رسائل ابن حزم الأندلسي"، في فصل "الرد على ابن النغريلة اليهودي"، ج 3، تحقيق إحسان عباس، الطبعة الثانية 1987، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
11. "صيحة تحذير من دعاة التنصير"، الشيخ محمد الغزالي، دار الصحوة للنشر والتوزيع، ط1، 1991، القاهرة.
12. "قذائف الحق"، الشيخ محمد الغزالي، دار القلم، ط1، 1991، دمشق.
13. "كتاب على التوراة"، محمد الباجي، تحقيق : السيد يوسف أحمد، دار الكتب العلمية، سنة 2007،بيروت.
مقالات:
14. دراسة بعنوان: " أدلة تحريف الكتاب المقدس "، موقع الحقيقة، وموقع ابن مريم. بشبكة الأنترنيت.
15.. مقال :"التوراة المقارن (العهد القديم )كاملاً ـ الاختلافات بين العبرية واليونانية والسامرية ـ، أمير عبد الله، موقع حراس العقيدة (( www.hurras.org))
16. مقال " الخلفية التوراتية والتلمودية في الفكر اليهودي "، عبدالهادي صالح التويجري، سنة 9/2/2009 ، موقع الألوكة بشبكة الأنترنيت.
==========================================
الهوامش :
1"الخطأ و الدخيل في توراة بني إسرائيل"، إبراهيم ثروت حداد ، ص: 35، مركز التنوير الإسلامي، 2006.
2"التلمود أصله وتسلسله وآدابه"، ترجمة عن العبرانية دكتور شمعون مويال،،ص: 10، تحقيق وتقديم الدكتوراة ليلى ابراهيم ابو المجد والدكتور رشاد عبد الله الشامي، الدار الثقافية للنشر.
3 "التوراة والإنجيل والقرآن والعلم"، الطبيب الفرنسي "موريس بوكاي"، ص: 28. ترجمة الشيؤخ خالد حسن. المكتب الإسلامي، ط3، سنة 1990، بيروت.
4 "رسائل ابن حزم الأندلسي"، في فصل "الرد على ابن النغريلة اليهودي"، ص: 66- 67، ج 3، تحقيق إحسان عباس، الطبعة الثانية 1987، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
5 "التوراة السامرية مع مقارنة بالتوراة العبرية"، أحمد حجازي أحمد السقا، ص: 31 ـ 32، الطبعة الأولى سنة 1978 بمصر، دار الأنصار.
6 "الخطأ و الدخيل في توراة بني إسرائيل"، إبراهيم ثروت حداد ، ص: 78، مركز التنوير الإسلامي، 2006.
7 "رسائل ابن حزم " ، في فصل "الرد على ابن النغريلة اليهودي"، ج 3، ص: 62.
8المصدر السابق، ص: 63.
9 المصدر السابق، ص: 63.
10 سفر التكوين: 3 ـ 9.
11"الخطأ و الدخيل في توراة بني إسرائيل"، إبراهيم ثروت حداد ، ص: 78، مركز التنوير الإسلامي، 2006.
12 "قذائف الحق"، الشيخ محمد الغزالي، ص: 29 ، دار القلم، ط1، 1991، دمشق.
13 انظر "قذائف الحق" ، محمد الغزالي، صفحات 20 ـ 33.
"14التوراة كتاب مقدس أم جمع من الأساطير"، ليوتاكسيل، ترجمة : د. حسان مخائيل اسحاق، ص: 8.
"15التوراة كتاب مقدس أم جمع من الأساطير"، ليوتاكسيل، ص:9.
16"الخطأ و الدخيل في توراة بني إسرائيل"، إبراهيم ثروت حداد ، ص: 75.
17 "صيحة تحذير من دعاة التنصير"، الشيخ محمد الغزالي، ص: 74 ـ 75، دار الصحوة للنشر والتوزيع، ط1، 1991، القاهرة.
18 "صيحة تحذير من دعاة التنصير"، الشيخ محمد الغزالي، ص: 76.
19 "التوراة السامرية مع مقارنة بالتوراة العبرية"، أحمد حجازي أحمد السقا، ص: 7.
20 مقال :"التوراة المقارن (العهد القديم )كاملاً ـ الاختلافات بين العبرية واليونانية والسامرية ـ، أمير عبد الله، موقع حراس العقيدة (( www.hurras.org))
21 الموقع نفسه.
22 الموقع نفسه.
23 "التوراة السامرية مع مقارنة بالتوراة العبرية"، أحمد حجازي أحمد السقا، ص: 21.
24 هو الإمام علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب علاء الدين الباجي(631 ـ 714ه)، عالم في الأصول والمنطق من أهل مصر، مغربي الأصل. فقد تناول كتابه هذا يرد افتراءات اليهود، فأخذ الأسفار التوراة الخمسة سفرا سفرا، موضحا التناقضات واختلاف النصوص.
25 "كتاب على التوراة"، محمد الباجي، ص: 5، تحقيق : السيد يوسف أحمد، دار الكتب العلمية، سنة 2007، بيروت.
26 "الخطأ و الدخيل في توراة بني إسرائيل"، إبراهيم ثروت حداد ، ص: 31 ـ 32.
27 " خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل" ، كمال الصليبي، ص: 13، ط 6، دار الساقي بيروت، 2006.
28 "التوراة والإنجيل والقرآن والعلم"، الطبيب الفرنسي "موريس بوكاي"، ترجمة: الشيخ خالد حسن، ص: 23.
29 "صيحة تحذير من دعاة التنصير"، الشيخ محمد الغزالي، ص: 103.
30 انظر كتاب " خمسون ألف خطأ في الكتاب المقدس" ، أحمد ديدات، ترجمة رمضان الصفناوي، المختار الإسلامي، رقم : 12.
31 انظر مقال " الخلفية التوراتية والتلمودية في الفكر اليهودي "، عبدالهادي صالح التويجري، سنة 9/2/2009 ، موقع الألوكة بشبكة الأنترنيت.
32 دراسة بعنوان: " أدلة تحريف الكتاب المقدس "، موقع الحقيقة، وموقع ابن مريم. بشبكة الأنترنيت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسة علمية | السمات:دراسات علمية, دراسة علمية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















