الشباب المغربي بين انتظارات الدولة وتحديات الواقع
كتبهامحمد طاقي ، في 1 فبراير 2012 الساعة: 03:29 ص
الشباب المغربي بين انتظارات الدولة وتحديات الواقع
طاقي محمد
+ وزارة الشباب وسياسة القرب المزعومة:
إن الخوض في المستجدات الميدانية المتعلقة بسياسة القرب في المجالات التي تتدخل فيها وزارة الشباب والرياضة ليس بالأمر الهين، بالنظر إلى شح المعطيات المحلية التي تهم الموارد البشرية في أي مجال مجال تنصب عليه الاهتمامات، فضلا عن تقييم أي فعل سابق أو لاحق قامت أو تقوم به الوزارة الوصية سواء تعلق الأمر بالطفل أو الشباب، ومن جهة أخرى لا زالت معالم سياسة الوزارة غير واضحة بشكل علمي وعملي يقوم على التجربة وعلى الواقع.
مثال بسيط يوضح المغزى من طرح الإشكالات السابقة:
بوجدة : يوجد ثلاثة أماكن لدار الشباب، وعدد الساكنة يفوق 450 ألف نسمة، بمعدل 150 ألف شخص من بينها الأطفال والشباب، فإذا كانت نسبة الساكنة من شباب وأطفال أعمارهم أقل من 40 سنة قد تصل نسبتهم إلى 60 في المائة كأقل تقدير، فإن 90 ألف شخص مستهدف كان شابا أو طفلا لكل دار شباب. ما مجموع 270 ألف شاب لثلاثة دار شباب.
لهذا لا يمكن الحديث عن سياسة القرب دون توفير عدد يلبي رقم الإحصائيات، لأن سياسة القرب جوهرها القرب المكاني والزماني والخدماتي.
لا يمكن الحديث عن سياسة القرب دون توفير الموارد البشرية التي تسهر على تنزيل البرامج التربوية والرياضية والثقافية والترفيهية .. إلخ
لا يمكن الحديث عن سياسة القرب في نقص مهول للموارد المادية التي تساهم في تمويل المشاريع التربوية والتكوينية والمجالات التي تهتم بها الوزراة.
لا يمكن الحديث عن سياسة القرب دون وجود مخطط استراتيجي قابل للتنفيذ واضح الرؤية والأهداف مع ما يناسبه من آليات وأساليب متوفرة سلسة تضمن أجرأته وفق الظروف الواقعية المحيطة بنا.
+ الجهة الوصية غير قادرة على احتضان الشباب:
إذا كانت الأدوار النبيلة المسطرة ضمن أهداف الوزارة التي تتمثل في كل من : الاحتضان والتأطير والتكوين والترفيه والتوجيه باعتبار هاته الكلمات مفاتح رئيسية كأدوار مجتمعية تسبو لها الوزارة قصد الرقي والتفعيل والعمل وفق معالمها. لاشك أن الأمر يحتاج مزيد من المعرفة التي هي رهينة بتوضيح مكامن القوة ومكامن الضعف لدى أي جهة وصية أو مؤسسة عمومية.
وعليه فإن عملية الاحتضان (الحاضن هي المؤسسة، والمحضون : الشاب / الطفل) يجب أن تكون ملائمة للمحضون يستوعب حاجياته ويلبي رغباته وينمي من قدراته.
وعليه فإن عملية التأطير يجب أن يكون المؤطر خبيرا واعيا وذكيا ومثقفا تجتمع فيه شروط المؤطر المحبوب يكمل ما تغافلت عنه المدرسة والأسرة.
وعليه فإن عملية التكوين يجب أن تكون المحطة في إعادة التصحيح والتصويب، وكذا التنوير والتثقيف، لا سيما أن المعرفة رافد أساسي للرقي بالمجتمع.
وعليه فإن العملية الترفيهية وسيلة ناشطة منشطة للتخفيف من ضغوطات الحياة وتبديل الجو واستعادة النفس إذا ما كانت ترفيهية محضة، مع العلم أن عملية الترفيه أصبحت ميكانيزم قوي ومنتج في تلقين المعلومة وتمرير الرسالة الإيجابية أكثر من العمليات الأخرى المعروفة.
وعليه فإن عملية التوجيه حاسمة في تحديد مسار أي شخص، باعتبار التوجيه سواء كان متعلقا بالأفكار أو متعلقا بالقيم أو بالمهارة أو بالسلوك. يبقى مرتبطا بالإنسان في جزئه المكمل للكل. وهو ما ينعكس على طبائع وتصرفات الناس بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة.
+ الشباب بين التقنيات القديمة وعقليات العصرنة:
إذا كانت في السابق والحاضر خدمات معروفة معمول بها في هذا المجال والتي تهم الشباب لا تحيد عن هاته الأمور الرهينة بالأناشيد والرياضات والألعاب واللقاءات والموسيقى والرحلات والنوادي وغيرها. فإن القالب الذي يمرر الرسالة يتطلب تقنيات تواكب وتحولات الحياة الظرفية.
أي لتحقيق فراغات التمثلات الذهنية والنفسية والبدنية والجمالية والذوقية والفنية للأفراد لابد من الإبداع في تنزيل هاته الخدمات والأنشطة. فضلا عن انتظارات الشباب المتطلع للحياة والمتمثلة في قاعات اللعب والرياضة والسباحة والأنترنيت والمطالعة والمسرح والسينما وأماكن التخييم الملائمة لتقلبات الفصول وجودتها.
المسألة المرتبطة بالقضية الخدماتية جد معقدة من كل النواحي: في جوهرها وفي طبيعتها وفي بنيتها وفي تنزيلها.
أما التقنيات فيما يخص التنشيط بما يفيد التحفيز والرغبة والإشراك والتفاعل والتعليم والتربية وكذا التواصل بالدرجة الأولى يتطلب كفاءة عالية ومتابعة وخبرة من المرسل بهدف استعمالها أساسا لتمرير المادة للمتلقي. كاستعمال غريزة الملاحظة، وخلق التفاعل بين الأفراد والوصول للحل الجماعي عن طريق توليد المعلومة ومخاطبة الأنظمة التواصلية للمتلقي سواء كانت بصرية أو سمعية أو حسية..
واستعمال الوسائل التي تحاول أن تعتمد مبدأ الإشراك والتدرج من البسيط إلى المركب ومن السهل إلى الصعب.
ويتجلى الإشراك في العمل الجماعي عبر خلق نوادي وورشات ميدانية تعلن للجميع:
في فتح الانخراطات بنادي الأغنية الملتزمة، ونادي الصحافة ، ونادي التكوين والثقافة، ونادي القراءة، ونادي المسرح، ونادي المواهب.. إلخ
+ هل المؤسسات الشبابية قادرة على أجرأة السياسات المنشودة ؟؟
الجواب عن إمكانية تنفيذ البرامج أو سياسات جديدة للوزارة تعمل المؤسسات الشبابية على أجرأتها، وعليه فإن المسألة لا تتعلق بالبرامج ولا تتعلق بالسياسة المسطرة ولا تتعلق بالعناوين ولا تتعلق بالشكليات. لأنه من السهل الحديث عن قضايا الشباب وتشخيص الأوضاع، ومن السهل الحديث عن المشاكل الاجتماعية، ومن السهل الحديث عن حاجيات الشباب. إذ أن البرامج مكرورة ومستنسخة لا تختلف عن سابقاتها إلا في المصطلحات وفي بعض تفاصيلها الجزئية. لهذا فالقضية أعقد وأعظم من صياغة برنامج أو مشروع. ويمكن القول أن الوضع القائم في كثرة البرامج المسطرة على الورق ما هي إلا حبر على ورق ستظل حبيسة الرفوف إلى الأبد.
ومن هنا سنكون صادقين مع أنفسنا حينما نحدد مكمن الداء، الذي لا ينفك في أزمة الإنسان، وأخص بالذكر الموظفين ضمن الوزارة، من مسيري المؤسسات ومدراء وموظفين ومندوبين ورؤساء المصالح. فالبرامج مهما كانت مثالية، فهي لا تغني شيئا ما دام الموظف الصالح والمناسب الذي يمكن أن يقوم على تطبيقها لا يرقى لتقلد المسؤولية، ذلك أن الحل السحري يكمن في المعادلة "الرجل المناسب في المكان المناسب"، مما يحتم على الوزارة أن تفرض مبدأ المحاسبةوتفعيل مقتضياتها في حق المقصرين أو من تبث في حقه الإخلال بالواجب الذي حظي به ولم يؤده حقه، في المقابل تفعيل مبدأ المكافئة في حق المخلص الصادق العامل والمضحي.
وهنا أقترح بعض الأمور التي يمكن أن تفيد السياسة بخصوص العمل كي تعتمد في تنزيل البرامج وهي كالآتي:
- إعادة الاعتبار لدور الشباب وتأهيلها شكلا ومضمونا من خلال إعطاءها مزيد من العناية والحرص على إصلاحها وإدخال التكنولوجيا إليها.
- ضرورة تفعيل مبدأ التحفيز كالإعلان عن مسابقات إبداعية في التأليف وفي الابتكار وفي إعداد وثائق أو برامج أو فيديوهات تعنى بقضايا معينة، تخصص لها جوائز قيمة أو مبالغ مالية .
- تفعيل برامج بسيطة وسلسلة تهم فئة وسن محددين وجنس معين. من قبيل: تحبيب عادة القراءة وتبادل الكتب بين أطفال مؤسسات تعليمية معينة، أمسيات تدريبية للشباب في تلقين مهارة التواصل بأثمنة جد رمزية إلخ..
- احتضان المبادرات الشابة وتقديم يد العون لها باليسير أو الكثير من أمور مرتبطة بالتوجيه وتذليل الصعاب قدر الاستطاعة بتأسيس مكاتب خاصة للاستشارة والتوجيه.
- إنشاء مراكز شبابية في المدن التي تكثر بها الجريمة والعطالة كي تفتح أبوابها للوالجين، حيث يسير هذه المراكز لجان شبابية حركية وفاعلة يتم اختيارها بما لديها من سيرة جمعوية وتواصلية وتفاعلية وقيادية سبق وأن برزت هي في الساحة. ثم تسهر على تنظيم أنشطة وحملات وقوافل وتعنى كذلك بفتح التواصل المباشر مع الشباب والأطفال للتقليل من الجريمة والتخفيف من الهدر المدرسي وتقويم السلوك وتثمين التنشئة السياسية والتجشيع على المبادرة.. إلخ.
- إجبار الجمعيات التي تجعل من دور الشباب مقرات لها، إذ أقل ما تقوم به كأداء الاستفادة بالدار، تأدية عمل مشترك أو منفرد يتم خلاله تنظيم أنشطة بالأحياء الشعبية تسلتزم حملات تحسيسية متعلقة: بالنظافة، والحفاظ على البيئة، وخطورة المخدرات والتدخين. أو تنظيم أنشطة ترفيهية للأطفال المعوزين والمرضى وأبناء الفقراء.
- خلق شراكات مع مراكز علمية ومعاهد وجامعات وثانويات ومدارس تجعل من مؤسسات وزارة الشباب فضاء مكملا يعزز أشغالها.
وبالتالي فهذه الرؤى المتعلقة بقضايا الشباب تجمع بين التنمية الإنسانية النفسية وبين التنمية العمرانية المادية التي هي مكمن الاستثمار في الإنسان وما يحيط بالإنسان.
فمتى يستشعر أهل الحل والعقد أن الاستثمار الحقيقي هو بناء الإنسان ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسة علمية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















